تقارير مميزة

ماليزيا | القضية الفلسطينية والسلطة الماليزية الجديدة. هل من جديد؟


يتفق مراقبو الشأن الماليزي على التغيير غير المسبوق أو المتوقع وعلى الصدمة الايجابية التي حملتها نتائج الانتخابات الماليزية الأخيرة في أيار من العام الجاري. وبينما يترقب الماليزيون نتائج هذا التغيير على الاقتصاد والسياسة الداخلية، فإن للسياسة الخارجية نصيبها من الانقلاب الذي بدأت ملامحه تظهر من خلال الإعلان السريع عن سحب القوات الماليزية من تحالف العدوان على اليمن. إلا أن انعكاس هذا الانقلاب الحكومي على علاقة ماليزيا بالقضية الفلسطينية يبدو أكثر تعقيدا من غيره من ملفات السياسة الخارجية. إذ يمكن اعتبار مهاتير محمد العائد القوي لترأس هرم السلطة في البلاد أحد المؤسسين الفعليين للسياسة الماليزية تجاه فلسطين وعلاقتها المعقدة في الاقتصاد والثقافة والسياسة مع كيان الاحتلال.

هذا المقال هو محاولة لتقييم ما انتهت إليه السياسة الرسمية الماليزية في الشأن الفلسطيني في عهد تحالف الشعب بقيادة نجيب رزاق وآفاق تغيير هذه السياسة في عهد تحالف الأمل الحاكم الجديد في بوتراجايا في ضوء التركيبة السياسية الجديدة ونظرة كل من أعضاءها للقضية الفلسطينية.

يعود تاريخ العلاقات الماليزية الصهيونية لمرحلة تأسيس الدولة الماليزية فبينما بدا قادة عرق الملايا الأوائل أقرب إلى القبول بدولة اسرائيل واستقبلوا وزير خارجيتها موشيه شاريت قبيل الاستقلال، رفضت ماليزيا الاعتراف بالكيان الصهيوني منذ تأسيس دولة المالايا سنة 1957 بضغط من المعارضة الاسلامية والدول العربية آنذاك، كما ابقت الحكومات المتعاقبة على مستوى متدن من العلاقات مع حكومات العدو حيث سجل تواصل مباشر لكل من دايفيد بن غوريون وغولدا مائير مع عدد من القادة الماليزيين الأوائل بالإضافة لمستوى ضئيل من التبادل التجاري).

كما أن استقلال سنغافورة عن ماليزيا وتفوقها الاقتصادي وعلاقاتها القوية بالكيان العبري خصوصاً على المستوى العسكري يعطي للقضية الفلسطينية بعداً خاصاً في السياسة والأمن القومي الماليزيين.

وبينما كانت اللوبيات الصهونية في العالم تشن حملات اعلامية على مهاتير محمد منذ وصوله إلى السلطة في عام 1981 وتتهمه بالمعادات للسامية والخطاب العنصري ضد اليهود. أدت أجواء اتفاق أوسلو والنهضة الاقتصادية الماليزية في عهده إلى قفزة في التجارة البينية أوصلتها معامل شركة انتل في عام 2000 إلى أكثر من 750 مليون دولار. واستمر هذا المنحى المتصاعد في التبادل التجاري بعد مغادرته للسلطة ليسجل رقما قياسيا في عام 2013 بتجاوزه ال1.5 مليار دولار بحسب الأرقام الاسرائيلية الرسمية.

كما تميز خطاب محمد دائما بانتقاد الاحتلال باستمرار وبتركيزه على سيطرة اللوبيات اليهودية على الاقتصاد العالمي وسجل له تواصل مباشر مع ثلاثة من معاصريه من رؤساء الحكومات الصهاينة عبر رسائل مكتوبة وتعتبر إدانته للعمليات الاستشهادية في قلب فلسطين المحتلة عام 1948 وكذلك لإطلاق الصواريخ على المستوطنات في جوار غزة هي من ثوابت مواقفه حتى وهو خارج السلطة.

مع وصول نجيب رزاق إلى السلطة في عام 2009 حافظ الرجل على السياسات المتبعة تجاه القضية الفلسطينية عموماً وتعززت العلاقات التجارية مع اسرائيل (تبرر هذه العلاقات أحيانا بأن التجار الذين يقومون بها ليسو مسلمين ولا ينتمون إلى عرق الملايا بل هم ينتمون لإحدى الأقليات العرقية غير المسلمة في البلد) وعادت إلى الواجهة مظاهر تطبيعية في الرياضة والعلاقات الدولية كانت انتفاضة الأقصى وحصار غزة وحروب اسرائيل المستمرة أخمدت مثيلاتها لفترة طويلة وتواضعت لهجة الدبلوماسية الماليزية تجاه العدوان الاسرائيلي.

وقد سجل في هذه الفترة مؤشر للتطبيع الشعبي مع العدو يتمثل بتكاثر رحلات الحج إلى القدس المحتلة بشكل كبير.

كما أن الفرق بين الشخصية الكاريزمية لمهاتير محمد وخلفه والاصطفاف الماليزي في المحور السعودي جعل ماليزيا تبدو تابعا للسعودية في سياستها الخارجية، في وقت كانت فضائح الفساد المليارية وارتباطها بقوة بالحكم السعودي والإماراتي تعزز وحدة الماليزيين بمختلف أعراقهم ضد النهج السعودي، وجاءت عودة مهاتير محمد عن تقاعده إلى تفاصيل الحياة السياسية في التسعين من عمره بنفس جديد في مختلف القضايا الداخلية والخارجية فهاجم السياسة السعودية مرارا والتقط اللحظة التاريخية لوصول حسن روحاني إلى سدة السلطة في إيران مع تحول السياسة الأمريكية باتجاه تسوية الملف النووي الايراني، وكان أول الزائرين المهنئين بفوزه.

وكما أعادت الانخابات الأخيرة رئيس الوزراء الأسبق (بحلته الجديدة) إلى قمة السلطة فقد أدت أيضا إلى ادخال أطراف جديدة لم تسبق لها تجربة الحكم الذي سيطر عليه حزب القوميين المالايا UMNO منذ الاستقلال.

واستلم حزب العدالة الشعبية بزعامة أنور ابراهيم (وهو المنشق التاريخي عن UMNO وغريم مهاتير محمد نفسه) نيابة رئاسة مجلس الوزراء ووزارة الخارجية. وعادة ما كانت سلطات UMNO وابراهيم يتبادلان الاتهامات عن التقرب من اللوبيات الصهيونية في العالم وتلقي الدعم من الولايات المتحدة واسرائيل لدرجة تعقد على المتابع تفهم حقيقة موقف الرجل الصديق الشخصي والمتأثر بشدة بالمفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد.

هذه المماحكات تبدي جانباً إيجابياً يتمثل بإدراك الجميع لأهمية ومكانة القضية الفسلطينية في عقل الشعب الماليزي وتعكس (لاوعياً) جمعياً لأخطار المشروع الصهيوني.

يبقى التغيير الأهم في هيكل السلطة في ماليزيا من زاوية القضية الفلسطينية هو في نجاح حزب أمانة الخارج حديثاً عن الحزب الإسلامي الماليزي PAS بتشكيل حلقة الوصل بين مهاتير محمد وأنور إبراهيم وهو ما يمكن اعتباره عاملا أساسيا في نجاح تحالف الأمل.

وكانت من حصة الحزب وزراة الدفاع لزعيمه الشعبي محمد صابو بالاضافة إلى وزارة الشؤون الدينية.

عرف صابو تاريخيا بأنه زعيم التيار الأكاديمي في PAS وخرج عنه لتأسيس حزب أمانة بعد خلافات فكرية وسياسية كما أنه يصرح بدعمه الدائم للمقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي وقد استهل الرجل مهماته بإعلان انسحاب القوات الماليزية من تحالف الحرب على اليمن والغاء مركز الملك سلمان للسلام العالمي الذي كانت حكومة نجيب قررت انشاءه بالتعاون مع الحكومة السعودية في بوتراجايا على أرض مساحتها 16 هكتارا.

وفي المحصلة يمكن أن نشير إلى أن القوة الكاريزمية والشخصية المتميزة لمهاتير محمد وحليفه حديثاً أنور إبراهيم وما يظهر من تغيير إيجابي أعملته التجربة الطويلة ومسافات المراجعة (أنور في سجنه ومهاتير في تقاعده) بالإضافة إلى ظهور حزب أمانة بكوادره عميقة الاتصال بالشأن الفلسطيني يشكلان فرصتين كبيرتين يجب على المعنيين بالشأن الفلسطيني الاستفادة منهما.

مع أخذ واقع ارتباط ماليزيا بالاقتصاد العالمي بعين الاعتبار وعلاقاتها الدولية، فشركة انتل وسفينتها التي تنقل مئات ملايين الدولارات سنويا من ميناء كريات غات على أرض فلسطين المحتلة إلى ميناء كلانغ على مضيق ملقا توظف اكثر من سبعة الاف عامل في البلاد. كما أن التواصل الصحيح مع القوى السياسية ومنظومات المجتمع المدني الماليزية التي استطاعت إرسال النخبة السياسية الفاسدة من أعلى هرم السلطة إلى السجون بهدوء وسلام وعبر صناديق الإقتراع يمكن أن يتنج تغييرا واعدا ويمكن لماليزيا الجديدة النقية من الفساد المتحدة بقواها السياسية وأعراقها المكلومة بشدة من السعودية والإمارات المتأثرة بالنشاط الصهيوني في جوارها أن تساهم في تعزيز صمود الشعب الفلسطيني وإفشال ما بات يعرف بصفقة القرن.

 

حسن ع. درويش