تقارير مميزة

البوسنة والهرسك | 24 عاما على أكبر مجزرة عرفتها الأراضي الأوروبية تحت أعين الأمم المتحدة


استيقظت البشرية في مثل هذه الأيام قبل 24 سنة على أكبر مجزرة عرفتها الأراضي الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية، المجزرة التي خلفت حوالي 8 آلاف ضحية من مسلمي البوشناق في البوسنة.


خلفيات المذبحة
كانت البوسنة والهرسك جزء من جمهورية يوغوسلافيا التي كانت تضم سبع دول في دولة واحدة (كرواتيا- صربيا- البوسنة و الهرسك - سلوفينيا - الجبل الأسود - مقدونيا - كوسوفو) تحت حكم شيوعي وكانت تعد من أقوى الدول الأوروبية. في مطلع التسعينات من القرن الماضي اجتاح البلاد الفكر القومي ومعه تشكلت الحركات القومية وبدأت الأصوات المطالبة بالتفكك والانفصال عن جمهورية يوغوسلافيا، وكان من مقدمة الدولة التي انفصلت عن يوغوسلافيا هي سلوفينيا سنة 1991، فاسحة بذلك المجال لباقي الدول التي كانت تطالب بنيل استقلالها.

وكانت من بين هذه الدول كرواتيا ومقدونياـ وكانت البوسنة قد طرحت استفتاء للانفصال عن يوغسلافيا استفتاءٌ قاطعه سياسيين صرب من البوسنةـ وبالفعل في 29 من شباط/فبراير لسنة 1992 أجري استفتاء للاستقلال وقد كانت نتيجته أغلبية ساحقة أيدت الانفصال عن يوغوسلافيا وتم الاعتراف بجمهورية البوسنة والهرسك دولة مستقلة.

وفي ظل تزايد الاعتراف الدولي بجمهورية البوسنة والهرسك تحركت قوات صرب البوسنة، المدعومة من الحكومة الصربية بقيادة سلوبودان ميلوسيفيتش وميليشيا الجيش الشعبي اليوغسلافي التي كانت بمثابة يد الصرب الضاربة في البوسنة معلنين الحرب على مسلمي البوسنة لتبدأ معها حكاية التطهير العرقي وإلإبادات الجماعية وسفك الدماء بدم بارد واغتصاب النساء وتهجير المدنيين والعديد من المذابح أشهرها مذبحة سربرنيتشا.


ما قصة مذبحة سربرنيتشا؟
في مارس 1995 طوق صرب البوسنة المدينة تحت تعليمات زعيم صرب البوسنة رادوفان كراديتش وثم حصار المدينة وتجويعها لضغط على المقاتلين البوسنيين للخروج من المدينة.

وفي ظل ملاحقة مسلمي البوسنة الذين كان يشكلون عائقا أمام الصرب من أجل إعادة تشكيل ما تبقى من الاتحاد اليوغوسلافي، كانت سربرنيتشا تشكل أحد أهم المناطق التي يتواجد بها مسلمي البوسنة وكانت مدينة سربرنيتشا من المناطق المستهدفة من قبل الصرب وخاصة بعد التغلغل الصربي في شرق البوسنة والهرسك سنة 1992.

أعلنت الأمم المتحدة في نيسان/أبريل سنة 1993 أن سربرنيتشا منطقة آمنة تحت حمايتها وكان يمثل الأمم المتحدة عناصرٌ للقوات الهولندية التي كان عددها حوالي 400 عنصر، وفي مقابل ذلك فرضت الأمم المتحدة على المقاتلين البوسنيين الذين كانوا يحمون المدينة من المد الصربي نزع السلاح وتسليمه.

في آذار/مارس 1995 طوق صرب البوسنة المدينة تحت تعليمات رادوفان كراديتش زعيم صرب البوسنة وتم حصار المدينة وتجويعها للضغط على المقاتلين البوسنيين للخروج من المدينة، وعلى إثر ذلك نشبت اشتباكات بين قوات الصرب والبوسنيين أمام مرأى ومسمع قوات الأمم المتحدة الممثلة بالكتيبة الهولندية، وفي تموز/يوليو 1995 نجحت قوات صرب البوسنة بالدخول لسربرنيتشا والاستيلاء عليها.

في تلك الأثناء حذرت القيادة البوسنية في سراييفو الأمم المتحدة في 8 من تموز/يوليو من أن عمليات تطهير عرقي تجاه المسلمين في المدينة قد تقع، عقد اجتماع ترأسه راتكو ملاديتش مع بعض جنرالات صرب البوسنة لوضع اللمسات الأخيرة للبدأ في عمليات الإبادة وبعد الاجتماع بيوم خرج راتكو ملاديتش أمام وسائل الإعلام يتجول في المدينة ويعد سكانها بالأمان والحماية والسماح لهم بالخروج من المدينة.


الـ11 من تموز/يوليو 1995
بعد مغادرة وسائل الإعلام في اليوم نفسه وفراغ راتكو ملاديتش وقواته من الاستعراض السلمي، بدأت المذبحة، وتمهيداً لها تم فصل الرجال عن الأطفال والنساء.

اقتيد الرجال إلى موقع المجزرة والنساء اقتدن إلى مخيمات تمهيدا لاغتصابهن. استمرت تلك المجزرة أربعة أيام كانت الجرافات تهيئ خلالها المقابر الجماعية للذين يتم قتلهم بشكل جماعي، ومن سنحت له الفرص للهروب من تلك المجزرة، كانت الغابات هي الخيار الأوحد للنجاة بحياته رغم أنها كانت تشكل خطراً هي الأخرى حيث كانت مليئة بالألغام.

وارتكبت هذه الفظاعات التي يتذكرها العالم كل عام في ظل وجود قوات حفظ السلام الأممية التي عجزت عن أن تحرك ساكنا في مذبحة راح ضحيتها 8 آلاف من مسلمي البوسنة، ولم يستثنى منها لا كبير ولا صغير.

ردت الأمم المتحدة ببيان استنكاري تدين فيه الإبادات وعمليات التطهير العرقي في حق مسلمي البوسنة وتتوعد بملاحقة مرتكبي تلك الجرائم. بيانٌ لم تتجاوز تأثيراته الورقة التي كُتب فيها الاستنكار، وفي سنة 2005 اعتبر أمينها العام أن ضحايا سربرنيتشا تم قتلهم بطريقة متعمدة وممنهجة.

اعتبرت المحكمة الدولية الخاصة بيوغسلافيا مجزرة سربرينيتشا "إبادة عرقية"، لكنَّها رفضت عام 2006 تحميل المسؤولية للدولة الصربية مكتفية باتهامها بالتراخي في منع الإبادة. وفي المقابل، أدانت المحكمة زعيميْ صرب البوسنة رادوفان كراديتش وراتكو ملاديتش بارتكاب جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية.

- لقطات من أعمال انتشال جثامين ضحايا المجزرة