تقارير مميزة

سوريا | ساحة جرمانا الدمشقية كانت المهمة الأخيرة لشهيد الواجب الإنساني عبد الكريم الجبور


لم يبقَ من الشاب عبد الكريم الجبور ابن العاصمة السورية دمشق سوى صور جدارية وألبومات قديمة، يتأملها والده في كل يوم ليبحث عن ابنه البكر الذي سرقته الحرب في سوريا منه قبل خمس سنوات .

لا يتوقف أبو كريم عن الإشارة لصورة ابنه في كل مرة يٌسأل فيها عنه حتى أنه رفض الحديث عن الشهيد كريم قبل أن يضع صورة كبيرة له بجانبه، وكأنه يعانقه في عالم خفي لا يراه فيه إلا هو، فذلك الشاب لا زال حيًا في كلام الأدباء والشعراء والفلاسفة، هكذا قال أبو كريم قبل أن تدمع عيناه ويدخل في صمت حزين على ابنه الغائب الحاضر .

مع ارتفاع وتيرة العنف ووضوح مشهد الحرب في البلاد إلتحق عبد الكريم جبور بفرع الهلال الأحمر السوري في دمشق وانضم إلى فرق الإسعاف السريع في العاصمة كما العشرات من أبناء المحافظة، لمؤازرة تلك الفرق والتحضير لاستقبال عقبات الحرب التي بدأت تطال آلاف المدنيين في دمشق مع تحول الأعمال التخريبية لمؤيدي ما كان يطلق عليها"ثورة الحرية" إلى مظاهر مسلحة وأعمال إرهابية لم تبدأ بنشر العبوات الناسفة بين المدنيين لإيقاع الضحايا في صفوفهم حتى تحولت إلى مجازر مروعة شهد حي جرمانا الذي يقطنه عبد الكريم أفظعها في العاصمة السورية دمشق .

في الثامن والعشرين من تشرين الثاني عام 2012 هز انفجار كبير أحياء دمشق السكنية لم يكن الأول الذي تشهده تلك المدينة لكن الحصة فيه هذه المرة كانت لحي جرمانا، سيارة مفخخة يقودها انتحاري انفجرت في ساحة الرئيس وسط الحي، سرعان ما هرعت فرق الإسعاف المحلية وفرق الهلال الأحمر إلى موقع التفجير لإسعاف عشرات الضحايا بالرغم من كل الخطر المحدق بذلك الموقع لا سيما أن المجموعات الإرهابية كانت تعتمد سياسية التفجيرات الانتحارية المزدوجة في أي موقع تستهدفه في دمشق.

لم يكن حينها عبد الكريم ضمن الفرق التي كلفت بالانطلاق نحو موقع الانفجار لكن واجبه الإنساني الذي أقسم على تأديته كان الدافع الكافي الذي قاده إلى موقع التفجير غير مكترث بصراخ والدته التي حاولت منعه من الذهاب وبين عينيها ترى أن الموت الحائم في ذلك الموقع قد يطال ضلعها وابنها البكر عبد الكريم الذي لم يعلم بأن هذه المهمة ستكون مهمته الإنسانية الأخيرة وهو يحمل في عقله قناعة تامة بأن تلك المهمة هي واجب لابد منه والموت ليس بالرادع الكافي الذي قد يمنعه من أدائها .

لم تلبث فرق الإسعاف أن انتشلت المصابين وجثامين الضحايا حتى قرع الموت رزنامة حياة عبد الكريم وعدد من زملائه اذ انفجرت سيارة مفخخة ثانية في موقع التفجير، سارقةً روح ذلك الشاب ومضيفة قائمة جديدة في جدول أفظع الجرائم والمجازر التي ارتكبها الإرهابيون في سوريا بحق المدنيين في دمشق، وأسمت معه أبناء العاصمة السورية ذلك اليوم بـ "ذكرى شهداء النخوة" رمزاً للتضحيات الثمينة التي قدمها أبناؤها في سبيل الواجب الإنساني الذي كانت قصة عبد الكريم الجبور مثالًا حيًا لها.