تقارير مميزة

أمريكا | معدة وثائقي "صراخ في الظلام": الدبابات السعودية سحقت بوحشية حركة ديمقراطية حقيقية في البحرين


قالت المخرجة والصحفية الأميركية "مي ينغ وولش" ان الدبابات السعودية تسحق بوحشية حركة ديمقراطية حقيقية لا تطالب بأكثر من حكومة تمثيلية في البحرين، وان "الحكومة الأمريكية تقف صامتة ميتة".

وولش التي أعدت وثائقي "صراخ في الظلام"، الذي يتحدث عن الثورة البحرينية وممارسات النظام البحريني ضد المواطنين، والذي ساهم بتسبب الأزمة بين قطر و دول الخليج، أضافت "نحن نعلم جميعاً أن السياسة الخارجية الأميركية تقودها مصالح لا مبادئ، ولكن رؤية هذا الواقع الساخر أمامك والذي يدوس الديمقراطية حقاً أمامك، هو أمر مؤلم وصادم".

وأكدت وولش في مقابلة خاصة مع وكالة يونيوز أن ثورة البحرين كانت سلمية دون عنف، موضحة أن المتظاهرين بذلوا قصارى جهدهم للبقاء دون عنف ومعتمدين على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لإخبار العالم عن كفاحهم. لكن ولسوء طالعهم، كانت السعودية والولايات المتحدة متحدتين ضدهم.

وتابعت ان الثورة في البحرين تم تجاهلها والتغطية عليها بشكل فعال من قبل الحكومة البحرينية، والحكومات الإقليمية في الخليج والعالم العربي، وحكومة الولايات المتحدة.

وتحدثت الصحفية الاميركية عن حجم المضايقات والاخطار التي تعرضت لها اثناء اعدادها الوثائقي عن ثورة البحرين. وقالت ان "كل شخص تقريباً ساعدنا أو تحدث إلينا على الكاميرا تم سجنه وتعذيبه من قبل الحكومة".

وولش قالت "يبدو أن الرسالة والخيار المعروضين على العرب هما العودة إلى العيش تحت حكم ديكتاتوري فاسد دون أن يكون له أي رأي في السياسة الداخلية والخارجية، أو أن يقتل ويستمر العنف والحرب بشكل منهجي".

 

فيما يلي النص الكامل المقابلة


س: خلال تصويركم الفيلم الوثائقي، هل كنتم تعتبرون أنفسكم شهوداً وأنتم تقومون بعملكم؟ 
ج: لقد اعتبرت نفسي شاهداً من الخارج على الثورة البحرينية في محاولة لنقل ما يعانيه المتظاهرون للعالم في ظل عدم اهتمام وسائل الإعلام على نطاق واسع . أعتقد أن معظم الصحفيين الذين غطوا الثورة البحرينية من قنوات "الجزيرة" و "سي إن إن" وغيرها ربما شعروا بهذه الطريقة، خلافا لما هو الحال في مصر أو ليبيا، كنا نبلغ عن ثورة تم تجاهلها وتغطيتها بشكل فعال من قبل الحكومة البحرينية، والحكومات الإقليمية في الخليج والعالم العربي، وحكومة الولايات المتحدة.

كما تم تجاهل الثورة وتهميشها لأسباب سياسية من قبل بعض وسائل الإعلام الدولية التي حاولت صرف النظر عنها باعتبارها أعمال شغب أو اضطرابات أو تدخل إيراني ، لذلك كانت مسؤوليتنا كصحفيين أجانب على أرض الواقع هي التأكد من أن الثورة البحرينية سوف تُلاحظ وتُفهم كما كانت حقاً. 

س: هل كان الوثائفي رسالة سياسية أم رسالة إنسانية من قطر؟ 
كانت العقبات الرئيسية التي واجهناها في انتاج الفيلم الوثائقي هي محاولة التهرب من الأجهزة الأمنية والمراقبة الحكومية بمجرد بدء الحملة حتى نتمكن من البقاء في البلاد والحفاظ على التصوير، ومحاولة حماية البحرينيين الذين ساعدونا وإخفاء والعلاقات معهم لأن كل شخص تقريباً ساعدنا أو تحدث إلينا على الكاميرا تم سجنه وتعذيبه من قبل الحكومة.

وبمجرد الإعلان عن الأحكام العرفية فإن الحكومة لم ترد الصحفيين الأجانب حولها ، وتحولت البحرين إلى "الأخ الأكبر" تتعقب وتطارد وتعتقل الجميع، وكما تعلمون البحرين هو مكان صغير جداً لذلك كان من المستحيل الاختباء . وجاءت أجهزة الأمن إلى فندقنا تبحث عني، لذلك انتقلنا إلى شقة في محاولة للحفاظ على العمل. هذا هو المكان الذي أجرينا فيه المقابلات مع البحرينيين، كلهم في ليلة واحدة مع كاميرا مستعارة وضوء واحد. وصلوا فرداً فرداً أو فردين معاً وتجمعوا في غرفة المعيشة في انتظار دورهم في الكلام وكانوا عاطفيين جداً.

قبل أسبوع واحد فقط من نشوة الثورة كانوا يترنحون من الصدمة جراء حملة قمع وحشية ، لقد خاطر الناس بالمجيء إلى هناك والتحدث إلينا والمقابلات التي أعطوها كانت فعالة وقوية. بعد فترة وجيزة جاءت الأجهزة الأمنية تبحث عنا في مبنى سكني فهربنا مرة أخرى. هذه المرة اتبعونا بهليكوبتر تعقبتنا لساعات، ولحقتنا من حي إلى حي ومن منزل إلى منزل. ومن ثم حوصرنا في قبو رجل بحريني بارز، فاقترح شخص ان اطفئ هاتفي النقال. أزلنا البطارية وغلفنا الهاتف بالألومنيوم فتلاشى الهدير المرعب.

في هذه المرحلة أدركنا أننا لم يعد بإمكاننا العمل في البحرين. كان علينا الحصول على لقطات من دون أن تصادر من قبل الحكومة. أخذني الناس إلى مكتب صغير مهجور في حي سكني، وأقفلوا علي الباب وأسدلوا الستائر، وعلى مدار عدة أيام أخذوا يتناوبون لاحضار الطعام فيما كنت في الظلام أقوم بتجميع كل مقاطع الفيديو للثورة، المقابلات، دوار اللؤلؤة والمستشفى، والهجمات، والجرحى والقتلى.

س: هل تعتقدين أن ثورة البحرين قد ؟
ج: لا أعتقد حقاً أن ثورة البحرين قد أصبحت في طي النسيان، لكن دعونا نكون صادقين، كل الثورات العربية(ما عدا ربما تونس)، قد تم نسيانها- بعد أن اختطفت ودمرت، تطلعاتتهم وآمالهم بالديمقراطية قد سحقت واستبدلت بمشاهد وصور أخرى قاسية جداً من قطع الرؤوس وغيرها. من مصر وليبيا إلى سوريا وحتى العراق، تم اختطاف حركات حقيقية تدعو إلى المشاركة الفعالة، ولحكومات غير طائفية كما لوضع حد للفساد "الدكتاتوريين مثل السيسي"، أو"المتطرفين مثل داعش"، وقد حظي ذلك "بدعم علني وخفي من قبل الحكومات الغربية"، لكن اتضح أن كل الثورات العربية كانت غير مناسبة.

تخيل أي نوع من النهضة الحضارية سيكون هناك لو سمح للثورات العربية بالنجاح وظهرت كتلة كبيرة من الديمقراطيات العربية الغنية بالنفط. هل سيعيدون استثمار الثروة النفطية العربية في التنمية البشرية؟ التصويت لتشكيل اتحاد اقتصادي وثقافي؟ إجبار إسرائيل على التوصل إلى تسوية عادلة مع الفلسطينيين؟ أن يعود العرب لموقعهم الطليعي في مجال الابتكار العلمي بعد غياب ٧٠٠ سنة؟ تصبح قوة عالمية في الأدب والشعر والسينما والموسيقى والفنون؟ ومعرفة المزيد عن اصولنا الحضارية كجنس بشري من خلال الحفريات الأثرية في عراق سلمي جديد بعد إتاحة المجال للعراقيين لمصالحة وطنية داخلية، دون تدخل خارجي.

أعتقد أن هناك قوى اقتصادية وسياسية قوية لا ترغب في رؤية ذلك. فبدلا من ذلك، يبدو أن الرسالة والخيار المعروضان على العرب هما العودة إلى العيش تحت حكم ديكتاتوري فاسد دون أن يكون له أي رأي في السياسة الداخلية والخارجية، أوأن تستمر معاناته عبر إدامة الحرب والعنف بشكل منهجي مما سيؤدي لاجتثاثه من أرضه في النهاية. .

س: برأيك، كيف يمكن لهذه الثورة أن تنجح؟
ج: السؤال هو أبعد من قدرتي على الإجابة. أنا بصراحة لا أعرف. أعتقد أن المتظاهرين بذلوا قصارى جهدهم للبقاء دون عنف ومعتمدين على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لإخبار العالم عن كفاحهم. ولسوء طالعهم، كانت السعودية والولايات المتحدة متحدتين ضد المتظاهرين في حين كانت إيران، الدولة الوحيدة الراغبة في دعمهم، وهذا برأيي يضر بالثورة البحرينية عبر العديد من المستويات.

وأنا كما علمت من خلال جميع الناس الذين التقيت بهم، أن الغالبية العظمى من المتظاهرين لم تكن مهتمة بالذهاب ضد الولايات المتحدة أو بالتحالف مع إيران، إذ كانوا مهتمين فقط بأن يحكمهم أقرانهم، بدلا من عائلة صغيرة فاسدة غير محبوبة لديهم مما حدا بها للإستعانة بالمرتزقة الأجانب. وحتى على الرغم من أنني التقيت ببعض البحرينيين المتدينين المؤيدين لآية الله الخميني، فإن الغالبية العظمى ممن التقيت بهم كانوا من الشباب المثاليين غير المحفزين دينياً. لكنن من الواضح أن شيئاً آخر أضر بالثورة البحرينية، حيث أن عمادها كانوا من الشيعة بأغلبية ساحقة. ورغم انني التقيت بمتظاهرين من السنة في دوار اللؤلؤة، لكنهم كانوا أقلية صغيرة. لست متأكدة مما كان يمكن فعله لتبديد المخاوف بشأن إيران، الطائفية وبناء المزيد من الثقة مع السنة حتى يشعروا بالراحة للانضمام إلى الثورة بأعداد أكبر. هذا شيء يعود للبحرينيين أنفسهم، فهم الأقدر للإجابة.

س: ما هي اللحظات الأكثر عاطفية والأكثر خطورة أثناء العمل؟
ج: كانت هناك الكثير من اللحظات العاطفية لذلك من الصعب انتقاء واحدة على وجه الخصوص. شيء واحد أتذكره هو الصدمة عندما كانت الدبابات والقوات تغزو دوار اللؤلؤة، كمواطن أمريكي كان من الصعب حقاً مشاهدة ذلك. وهنا كانت الدبابات السعودية تسحق بوحشية حركة ديمقراطية حقيقية لا تطالب بأكثر من حكومة تمثيلية والحكومة الأمريكية صامتة ميتة. 

كانت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون تتوسط اتفاقات لإطلاق الحرب في ليبيا، وأرادت الحصول على تأييد من جامعة الدول العربية . المملكة العربية السعودية هي من تقود الطريق في إعطاء ذلك لها.

لقد كان واضحاً بالنسبة لي أن هناك نوعاً من التأييد السعودي للاميركيين" نحن السعوديون سوف نؤيد بكل صدق عدوانكم العسكري على بلد عربي إذا نظرتم إلى الطريقة الأخرى عندما يتعلق الأمر بنا ". من خلال هذا العمل نحن (الولايات المتحدة) قمنا بخيانة كل ما نحن من المفترض أن تقف من أجله كبلد. ونحن نعلم جميعا ًأن السياسة الخارجية الأميركية تقودها مصالح لا مبادئ، ولكن رؤية هذا الواقع الساخر أمامك والذي يدوس الديمقراطية حقاً أمامك، أمر مؤلم وصادم.

كانت اللحظات الأكثر خطورة هي الأوقات التي كنا نصور فيها احتجاجاً وظهرت الشرطة وبدأوا يطلقون النار على الحشود ويطاردون المتظاهرين لأننا كنا داخل الحشود ، كنا أيضاً مطاردين ويطلقون النار علينا. 

س: هل كنت تتعرضين للتهديد خلال أو بعد الفيلم الوثائقي؟
ج: خضعت للاستجواب بشكل غير مريح لمدة ساعة أو ساعتين في المطار من قبل رجلين في مقصورة صغيرة مزينة بصور آل خليفة، رئيس الوزراء الأطول خدمة على الأرض 48 عاماً ولا يزال، السؤال الرئيسي الذي أرادوا الإجابة عليه هو "من ساعدك؟" أرادوا الأسماء وأرقام الهواتف حتى يتمكنوا من معاقبتهم . وقبيل الاقلاع سمحوا لي أن أذهب حتى لا أفوت رحلتي. كانوا يريدون حقاً أن أغادر البلاد. وبينما كنت أغادر قالوا لي أنه لا يسمح لي مجدداً السفر إلى البحرين مرة أخرى طوال حياتي. 

س: ما هو رأيك بمستشفى السليمانية؟
ج: هو مكان مهني إلى حد كبير، لقد حاولت مساعدة المتظاهرين المصابين فعوقبوا لذلك لا سيما أنهم سمحوا بدخول الصحفيين لتصوير الجروح التي أحرجت الحكومة (انتهت المقابلة ).

 

حول المخرجة الصحفية الاميركية "مي ينغ وولش"

هي "الخجولة والمقطرة في طلاتها الإعلامية"، كما تقول، ومعدة وثائقي"صراخ في الظلام"، الذي لاقى استحسان أنصار الحراك الشعبي البحراني عبر العالم، إلا أنه أثار من جهة أخرى ردود أفعال عاصفة من قبل بعض النخب السياسية والإعلامية في الخليج، فقد هاجمه وزير الخارجية البحرينية خالد آل خليفة، وآخرين، لتتوتر على إثره علاقات قطر مع بعض دول الخليج، التي اتهمتها بالتدخل سلباً في شؤونها.

الوثائقي الذي أنتجته قناة الجزيرة الإنكليزية، حاز جائزة أفضل فيلم وثائقي في مسابقة جمعية الصحافة الأجنبية في بريطانيا للعام 2011, إضافة لجائزة "سكريبس هاور" لأفضل فيلم وثائقي للعام 2011، كذلك نال جائزة "جورج بولك" من جامعة لونغ أيلاند الأميركية، قبل أن يحظى بجائزة التميز في الصحافة التلفزيوية لعام 2012، من مركز روبرت إف كينيدي للعدالة وحقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأميركية وغيرها.

اعتبرت وولش نفسها شاهداً ومبلغاً عن ثورة تم تجاهلها في البحرين، التي شبهت سلطتها "بالأخ الأكبر"(إشارة لحاكم أوشانيا في رواية جورج أرويل 1984 )، السلطة التي سجنت واعتقلت كل من ساعد وظهر أمام عدسات وثائقي "صراخ في الظلام".