الأحداث المصورة

لبنان | ذكرى 17 تشرين.. حراك طالب بالإصلاح وتم خطفه من احزاب مشاركة في الفساد والسلطة


حد وباء كورونا المتفشي في لبنان من التحركات التي كانت متوقعة في الذكرى السنوية الأولى لاندلاع حراك 17 تشرين، أوسع موجة تظاهرات تطالب بالاصلاح شهدها لبنان في تاريخه الحديث.

لكن الذكرى الأولى للحراك اللبناني، الذي تزامن مع انهيار اقتصادي ومالي غير مسبوق، تحل هذه السنة للمفارقة، فيما يتصاعد الحديث عن عودة رئيس تيار المستقبل سعد الدين الحريري إلى سدة الرئاسة الثانية، وهو الذي استقال قبل عام تقريبا على خلفية الاحتجاجات، والمطالبة بتنحيت باعتباره احد رموز السلطة والفساد.

ويعيد المراقبون للمشهد اللبناني استقالة الحريري، النتيجة المباشرة الوحيدة للتظاهرات، إلى ضغوط خارجية، عبثت لاحقا بمطالب الحراك ووجهته في محطات كثيرة بما يخدم أجنداتها الخاصة، ما يجعل عودة الحريري هذا العام خطوة مفهومة في إطار فشل استغلال المشهد اللبناني لتحقيق أهداف سياسية قديمة تجعل من مقاومة البلاد هدفا لها.

فالحراك الذي بدأ غضبا شعبيا عارما، على خلفية زيادات ضريبية لم يكن المواطن اللبناني قادرا على تحملها، وأبرزها ما عرف بـ "ضريبة الواتساب"، سرعان ما تشرذم مع دخول أحزاب المستقبل والقوات اللبنانية والتقدمي الاشتراكي إلى ساحات التظاهر، ومصادرة الحراك وخطفه نحو قطع الطرق واقتحام مقار الدولة لا سيما مجلس النواب، ما أخذ البلاد إلى توتر أهلي كاد ينفجر في محطات كثيرة.

فقد شهدت المناطق اللبنانية مساء الخميس 17 تشرين الأول/أكتوبر احتجاجات شعبية اندلعت بشكل مباشر إثر الإعلان عن خطط حكومية لفرض المزيد من الضرائب على البنزين والتبغ، إضافة إلى استحداث ضريبة على استخدام تطبيقات المكالمات الهاتفية عبر الإنترنت مثل واتساب، والتي قٌرّر التصديق عليها في 22 من الشهر نفسه، ثم توسعت الاحتجاجات حيث بدأ المتظاهرون بالمطالبة بإسقاط الرئاسات الثلاثة في لبنان، تغيير النظام السياسي، وإقامة دولة مدنية بالكامل، لتنتهي إلى التركيز على إخراج الأحزاب السياسية المنتخبة من السلطة وتشكيل حكومة اختصاصيين مستقلين.

وأتت الاحتجاجات مع تصاعد الأزمات الحياتية خلال الأسابيع الماضية، من أزمة الدولار، إلى إقفال محطات الوقود، وتهديد وصول اللبنانيين إلى الخبز، مرورا بتأثر اللبنانيين بمشهد حرائق الغابات في الشوف وتهجير العائلات هناك، وسط عجز الدولة عن التصدي لها بسبب عدم وجود صيانة لطائرات الهليكوبتر لمكافحة الحرائق، وصولا إلى ضريبة مفروضة على البنزين والقمح والمكالمات الهاتفية عبر الإنترنت.

وشهدت البلاد في اليومين التاليين احتجاجات كبيرة نسبيا، وفيما قرر وزراء القوات اللبنانية الاستقالة، لوح زعيم الحزب التقدمي وليد جنبلاط بها، بدوره طلب رئيس الحكومة سعد الدين الحريري مهلة 72 ساعة خرج بعدها بورقة "إصلاحية" من 25 بندا، اعتبرت متقدمة جدا وغير مسبوقة من ناحية جرأة الخطوات وطموحها، واعدة بإقرار موازنة 2020 بعجز يقارب 0% خلال أيام.

موقف حزب الله عبر عنه الأمين العام السيد حسن نصرالله في خمس خطب توجه بها للبنانيين، إطارها العام التأكيد على أحقية المطالب المعيشية للناس وضرورة الوصول إلى تحقيقها عبر خطوات منظمة مع تجنب الفوضى، ولاحقا التفريق بين محتجين عفويين وحراك سياسي مشبوه بأجندة سياسية تضعها سفارات وتنفذ على يد أحزاب ومجموعات ضالعة بالفساد ومسؤولة عن الوصول إلى الوضع الحالي، وعلى رأسها حزب القوات اللبنانية الذي يتزعمه سمير جعجع.

ومع مرور أسبوع على الاحتجاجات، كان البلد يغلي على صفيح بركان، دخلت إلى الشارع مجموعات تتمسك بقطع الطرقات مع كل ما يسببه هذا من تعطيل للمصالح واستفزاز لأهالي المناطق الذي ينكل بهم على الأوتوسترادات، وتصاعدت موجة الشتم اكثر فأكثر ما ولد حساسية لدى مناصري الشخصيات التي تتعرض لحملات السباب، خصوصا مع معرفة حيثية هذه الشخصيات ومكانتها السياسية والاجتماعية والدينية، فضلا عن وجود معلومات عن دخول سفارات اجنبية على خط توجيه الاحداث، ومجموعات منظمة مدفوعة من جهات مخابراتية وحزبية لتوتير الأجواء.

الحكومة اللبنانية التي صدرت مراسيم تشكيلها في بداية السنة، سقطت بعد 13 يوما من الاحتجاجات إثر استقالة رئيسها سعد الحريري، مع كلام عن وجود ضغوط أمريكية دفعت بهذا الاتجاه، ليتغيب السلطة التنفيذية المسؤولة عن تنفيذ مطالب المحتجين. ومع استقالة الحريري، بدأ مخاض التأليف الشاق، الذي سار بين شروط الحريري برفض مشاركة الأحزاب الأخرى في الحكومة، من جهة، وبين شارع يتحرك بموجات توتير وقطع طرقات عند كل منعطف.

وبعد موقف قواتي رافض لترشيح الحريري، مع ما يعكسه من خلفيات دولية، أعلن الحريري عزوفه عن الترشح، لتحصل استشارات نيابية أجلت مرتين، كلف على إثرها نائب رئيس الجامعة الأمريكية في بيروت حسان دياب بـ 69 صوتا، ليشكل حكومة لم تطفئ شمعتها الأولى، حيث أطاح بها انفجار مرفأ بيروت الكارثي، ليعود الفراغ الحكومي مظللا الذكرى الاولى للحراك.

ويستذكر اللبنانيون اليوم تظاهرات 17 تشرين، وسط اجماع على احقية مطالبها، وانقسام حول كل الأحداث والتطورات التي تلتها، فيما يبقى الثابت الوحيد في المعادلة، رغبة اغلبية اللبنانيين في تحقيق الإصلاح المنشود، مع الحفاظ على منعة البلاد السياسية والعسكرية، والتي روكمت خلال عقود من المقاومة والتحرير